ابن تيميه

16

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

صدق ، ولا حجة من كتاب اللّه ولا سنة رسوله ، بل الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة المشهورون وغيرهم على خلاف ما ظنوه ، فإجماع أهل العلم الذين تحكى أقوالهم في مسائل الإجماع والنزاع هو على خلاف ما ظنه الغالطون إجماعا وجرت في ذلك فصول . لكن المقصود هنا أنه أرسل إليّ ما كتبه هذا القاضي وأقسم باللّه عليّ أن أكتب عليه شيئا ليظهر للناس جهل مثل هؤلاء الذين يتكلمون في الدين بغير علم ، وذلك أنهم رأوا في كلامه من الجهل والكذب والضلال ما لا يظن أن يقع فيه آحاد العلماء الذين يعرفون ما يقولون فكيف بمن سمّي : « قاضي القضاة » « 1 » ! [ المردود عليه عنده شيء من الدين لكن مع جهل وسوء فهم ] ورأيت كلامه يدل على أن عنده نوعا من الدين ، كما عند كثير من الناس نوع من الدين ، لكن مع جهل وسوء فهم وقلة علم ، حتى قد يجهل دين الرسول الذي هو يؤمن به ويكفّر من قال بقول الرسول وصدّق خبره وأطاع أمره ، وقد يجهل أحدهم مذهبه الذي انتسب إليه ، كما قد يجهل مذهب مالك وغيره من أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم ، فإن هذه المسألة التي فيها النزاع وهي التي أجبت فيها وإن كانت في كتب أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما ، وقد ذكروا القولين . وأبو حنيفة مذهبه في ذلك أبلغ من مذهب الشافعي وأحمد ، فهي في كلام مالك وأصحابه أكثر ، وهي موجودة في كتبهم الصغار والكبار ، ومالك نفسه نص على قبر نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلّم بخصوصه أنه داخل في هذا الحديث ، بخلاف كثير من الفقهاء ، فإن كلامهم عام ، لكن احتجاجهم بالحديث وغيره يبين أنهم قصدوا العموم ، وكذلك بيانهم لمأخذ المسألة يقتضي العموم . فهذا المعترض وأمثاله لا عرفوا ما قاله أئمتهم وأصحاب أئمتهم ، ولا ما قاله بقية علماء المسلمين ، ولا عرفوا سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وسنة خلفائه الراشدين ، ولا ما كان يفعله الصحابة والتابعون لهم بإحسان . ونقل هذا المعارض عن الجواب ما ليس فيه ، بل المعروف المتواتر عن المجيب في جميع كتبه وكلامه بخلافه ، وليس في الجواب ما يدلّ عليه بل على نقيض ما قاله . وهذا إما أن يكون عن تعمّد للكذب ، أو عن سوء فهم مقرون بسوء الظن وما تهوى الأنفس ، وهذا أشبه الأمرين به ، فإن من الناس من يكون عنده نوع من الدين ؛ لكن مع جهل عظيم ، فهؤلاء يتكلم أحدهم بلا علم ؛ فيخطئ ، ويخبر عن الأمور بخلاف ما هي عليه خبرا غير مطابق ، ومن تكلم في الدين بغير الاجتهاد المسوغ له الكلام وأخطأ فإنه كاذب آثم ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم في الحديث الذي في السنن عن

--> ( 1 ) انظر حول تسمية ( قاضي القضاة ) « معجم المناهي اللفظية » للشيخ بكر أبو زيد ص 195 - 196 .